المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وقفات مع الإعجاز البياني في القرآن الكريم


أم سيرين
13-01-2015, 10:13
القرآن الكريم هو الكتاب المنزل على النبي محمد " صلى الله عليه وسلم" لهداية الناس جميعًا، عربهم وعجمهم وأبيضهم وأسودهم وحاضرهم وباديهم، وكان من سنة الله تعالى أن يبقى هذا الكتاب مادامت السموات والأرض حتى يستطيع آخر إنسان يعيش على وجه الأرض التعرف بدين الله، والاهتداء إلى الصحيح الصالح الذي فيه سعادته في الدنيا والآخرة، والنبي " صلى الله عليه وسلم" عاش 23 سنة نموذجًا حيّا لتعاليم القرآن، ونجح في تربية أصحابه وتهذيبهم حتى صاروا أحسن أمة في تلك القرون، وقد قدموا للعالم رصيدًا فكريّا في العلوم والثقافة والحضارة، استمدوه من ضمن آيات القرآن وأحكامه.
ومن مزايا الكتاب المنزل أنه يحتوي على عناصر كثيرة للدلالة على إعجازه الذي يطمئن إليه المؤمنون ويزيدهم إيمانًا، ويتأثر به المتشككون ويقنعهم بعظمته وقدسيته، وهذا بفضل الإعجاز الذي يتمثل في ألفاظه وتراكيبه ومعانيه، وعلى هذا الأساس توجه المسلمون الأُوائل بدراساتهم وبحوثهم نحو القرآن.

وقبل الدخول إلى الإعجاز البياني في القرآن نحاول التعريف بعلم البيان :

ما مفهوم البيان؟
البيان في اللغة معناه: الظهور والوضوح والإفصاح، وما تبين به الشيء من الدلالة وغيرها؛ تقول بان الشيء بيانا: اتّضح، فهو بيّن، والجمع: أبْيناء، والبيان: الفصاحة واللَّسَن، وكلام بيّن: فصيح، وفلان أبْين من فلان، أفصح وأوضح كلاماً منه، والبيان: الإفصاح مع ذكاء، والبيان إظهار المقصود بأدلّ لفظ، وهو من الفهم وذكاء القلب مع اللَّسَن، وأصله الكشف والظهور.
ووردت كلمة البيان بدلالاتها اللغوية في آيات القرآن الكريم ومنها قوله تعالى: {هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ } [آل عمران الآية 138
وقوله تعالى: {الرَّحْمَنُ. عَلَّمَ الْقُرْآنَ. خَلَقَ الإِنسَانَ. عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} الرحمن: 1-4
بهذا التعليم تميز الإنسان عن كثير من خلقه، وصار ناطقا مبينا، يستطيع أن يعبر عمَّا يخطر بخاطره، ويجول في نفسه من المعاني، فيوصلها إلى غيره من البشر، ويتلقاها الغير عنه، فيتم التفاهم.


ثم اخذت كلمة البيان دلالاتها الاصطلاحية في ما بعد فأصبح البيان أحد علوم البلاغة الثلاثة المعروفة: البيان والمعاني والبديع.
وقد تداخل علم البيان باديء الأمر مع علم المعاني، واستوعب بعض مباحثه لاحقا، وشمل علوم البلاغة كلها بعض الأحيان.
وقد عرَّف البيان مجموعة من الأدباء :
يقول الجاحظ :هو الدلالة الظاهرة على المعنى الخفي، وهو اسم جامع لكل شيء كشف لك عن قناع المعنى، وهتك الحجاب دون الضمير؛ حتى يُفضَى السامع إلى حقيقته، لأن مدار الأمر والغاية التي إليها يجري القائل والسامع؛ إنما هو: الفهم والإفهام؛ فبأي شيء بلغت الإفهام، وأوضحت عن المعنى فذلك هو البيان في ذلك الموضع.
وقد عرَّفه الخطيب القزويني بقوله: "علم يُعرَف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه"

وسوف نحصر الحديث عن هذا العلم في موضوعات أهمها: التشبيه بأركانه وأنواعه، والاستعارة بأنواعها: (التصريحية، والمكنية، والتمثيلية) والكناية، والمجاز المرسل بعلاقاته المتعددة.
التشبيه
(1) مفهوم التشبيه
لعلنا سمعنا معلقا رياضيا يعلق على سباق للعَدْو يقول:
هذا المُتسابقُ كالسَّهم
ويمكن إدراك مقصد المُعلق من تلك العبارة هو : أنَّ المتسابق سريع، فما الذي دلنا على أنَّ المتسابق سريع، مع أن السرعة لم تذكر في عبارة المعلق؟
إن ما دلَّ على سرعة المتسابق في عبارة المعلق هو لفظة (السهم) إذ لا يخفى علينا ما يتصف به السهم من شدة انطلاق وسرعة، فما كان من المعلق إلا أن عبَّر عن سرعة المتسابق بان اشركه مع السهم في صفة هي السرعة. ولكن بم أقام المعلق تلك الشراكة؟ واضح أن المعلق هنا استخدم لفظا لإقامة تلك الشراكة هو (حرف الكاف)

دعونا ننظر (فضلا لا أمرا) إلى معروف الرصافي كيف يرى العلاقة بين العلم والجهل إذ يقول:
إنْ كانَ للجهلِ في أحوالنا عِلَلٌ... فالعلمُ كالطِّبِّ يشفي تِلْكُمُ العللا
لا يفوتنا أن الرصافي هنا أراد أن يصف العلم شافيا من علة الجهل ويا لها من علة ، فعبَّر عن ذلك بأن أشرك (العلم) مع (الطب) في صفة (الشفاء) مصرِّحا بتلك الصفة بقوله (يشفي) مستخدما لفظا لإقامة الشراكة بينهما هو حرف (الكاف) في قوله (كالطب)
تأمل معي قول شاعر آخر يتحدث عن الإنسان الذي يخفي بإطلالته الوضيئة نفسه الخبيثة:
كمْ وجوهٍ مثل النَّهار ضياء... لنفوس كالليل في الإظلام

نلاحظ أن الشاعر في الشطر الأول أراد أن يصف جمال (الوجوه) ووضاءتها وصفا دقيقا، فعبَّر عن ذلك بأن أشركها مع (النهار) في صفة هي(الضياء) في صفة (الشفاء) مستخدما لفظا لإقامة الشراكة بينهما هو كلمة (مثل) كما أن الشاعر في الشطر الثاني أراد أن يصف قبح (النفوس) فعبَّر عن ذلك بأن أشركها مع (الليل) في صفة هي(الإظلام) في صفة (الشفاء) مستخدما حرف الكاف لفظا لإقامة تلك الشراكة .
لاحظنا في كل مثال من الأمثلة الثلاثة السابقة أن شيئا جعل مثيلا لشيء في صفة أو أكثر مشتركة بينهما، وأن أداة دلت على هذه المماثلة والشراكة، فكل مثال من تلك الأمثلة يقوم على ما اصطلح العلماء على تسميته (تشبيها)

ـــ وإلى لقاءآخر لمواصلة الكلام عن الإعجاز البياني في القرآن الكريم إن شاء الله.

أم سيرين
01-02-2015, 12:12
ما اللمسة البيانية في استخدام كلمة (الله) و(الربّ) في الآيتين: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا) سورة النساء وقوله تعالى (يا أيها الناس اتقوا ربكم) سورة النساء؟.
..
..
.
.
.
.
.
.
الله، الرب
نشرت : لمسات بيانية لـ د فاضل السمرائي الثلاثاء 22 أبريل 2014 10:00
لفظ الجلالة الله هو اللفظ العامّ لله تعالى ويُذكر هذا اللفظ دائماً في مقام التخويف الشديد وفي مقام التكليف والتهديد. أما كلمة الربّ فتأتي بصفة المالك والسيّد والمربي والهادي والمشد والمعلم وتأتي عند ذكر فضل الله على الناس جميعاً مؤمنين وغير مؤمنين فهو سبحانه المتفضّل عليهم والذي أنشأهم وأوجدهم من عدم وأنعم عليهم. والخطاب في الآية الثانية للناس جميعاً وهو سبحانه يذكر النعمة عليهم بأن خلقهم والذين من قبلهم، ولذا جاءت كلمة (ربكم) بمعنى الربوبية، وعادة عندما تذكر الهداية في القرآن الكريم تأتي معها لفظ الربوبية (ربّ).

miro
01-02-2015, 18:25
:28::28::28::28::28:

أم سيرين
08-02-2015, 18:45
نجد ذلك واضحًا في التلاؤم والاتِّساق الكاملين بين كلمات القرآنية ، وبين حركاتها وسكناتها؛ فالجملة في القرآن تجدها دائمًا مؤلَّفة من كلمات وحروف وأصوات يستريح لتألُّفها السمع والصوت والمنطق، ويتكوَّن من تضامِّها نسق جميل ينطوي على إيقاع رائع، ما كان لِيَتِمَّ لو نقصت من الجملة كلمةٌ أو حرف، أو اختلف ترتيب ما بينها بشكل من الأشكال، فاقرأ قوله تعالى: {فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} [القمر: 11، 12]، وتأمَّل تناسق الكلمات في كل جملة، بل وتناسق الحروف قبل الكلمات، وعن هذا التناسق البديع بين الجمل والكلمات يقول الباقلاني: "تلك الألفاظ البديعة، وموافقة بعضها بعضًا في اللطف والبراعة، ممَّا يتعذَّر على البشر ويمتنع"[6]!

كما نجد الجملة القرآنيَّة تدلُّ بأقصر عبارة على أوسع معنى تامٍّ متكامل، لا يكاد الإنسان يستطيع التعبير عنه إلاَّ بأسطر وجمل كثيرة، دون أن تجد فيه اختصارًا مُخِلاًّ، أو ضعفًا في الأدلَّة[7]، اقرأ قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179]، فلا يمكن التعبير الدقيق عن أثر قيمة القصاص في حياة المجتمع إلاَّ بكلمة حياة؛ فالحياة التي في القصاص تنبثق من كفِّ الجناةِ عن الاعتداء ساعة الابتداء، فالذي يوقن أنه يدفع حياته ثمنًا لحياة مَن يقتل جدير به أن يتروَّى ويفكِّر ويتردَّد، كما تنبثق من شفاء صدور أولياء الدم عند وقوع القتل بالفعل، وفي القصاص حياة على معناها الأشمل الأعم؛ فالاعتداء على حياة فرد اعتداء على الحياة كلها، واعتداء على كل إنسان حي، يشترك مع القتيل في سمة الحياة، فإذا كَفَّ القصاصُ الجاني عن إزهاق حياة واحدة؛ فقد كَفَّه عن الاعتداء على الحياة كلها[8].

وكذلك إخراج الجملة القرآنية للمعنى المجرَّد في صورة حسية ملموسة، ببثِّ الرُّوح والحركة فيها، فيقول I: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَ يُبْصِرُونَ} [البقرة: 17]، إنه يُصَوِّر لك هذا المعنى في مظهر من الحركة المحسوسة الدائرة بين عينيك؛ حيث شبَّه حال المنافق المضطرب بين الحقِّ والباطل بالأعمى الذي لا يبصر[9].

هذه بعض مظاهر الإعجاز اللغوي والبياني في القرآن، وقد اعترف نصارى العصر الحديث بعظمة القرآن، وسجَّلوا في ذلك شهاداتهم التي تنطق بالحقِّ؛ فها هو ذا الدكتور ماردروس[10] المستشرق الفرنسي بعد أن كلَّفَتْهُ وزارتا الخارجيَّة والمعارف الفرنسيَّة بترجمة اثنين وستِّين سورة من القرآن يعترف بعظمة القرآن الكريم، وقال في مقدِّمة ترجمته الصادرة سنة (1926م): "أمَّا أسلوب القرآن فهو أسلوب الخالق جلَّ وعلا؛ فإن الأسلوب الذي ينطوي على كُنْهِ الخالق الذي صدر عنه هذا الأسلوب لا يكون إلاَّ إلهًا، والحقُّ الواقع أن أكثر الكُتَّاب شكًّا وارتيابًا قد خضعوا لسلطان تأثيره"[11].

==============

[6] الباقلاني: إعجاز القرآن ص42.

[7] محمد عبد الله دراز: النبأ العظيم ص 153، وانظر: تمام حسان: البيان في روائع القرآن ص395-421


[8] سيد قطب: في ظلال القرآن 1/137

[9] محمد أبو زهرة: المعجزة الكبرى القرآن ص272


[10] جوزيف شارل مارْدْرُوس Joseph Charles Mardrus (1868-1949م): طبيب ومستشرق فرنسي، ولد بالقاهرة, ورحل إلى باريس فدرس فيها الطب، وترجم معاني (القرآن الكريم) إلى الفرنسية, وكتاب (ألف ليلة وليلة). انظر: نجيب العقيقي: المستشرقون 1/241.

[11] محمد رشيد رضا: مجلة المنار 33/282.

حجابي عفتي
08-02-2015, 20:55
السلام عليكم

بورك فيك يا محترمة
دائما متألقة
شكرا على المعلومات القيمة جدا في الاعجاز القراني
فسبحان الله العظيم

أم سيرين
08-02-2015, 21:13
سعيدة بمرورك وتعايشك مع الموضوع

فعلا يستحق القراءةوالتأمل ليعرف عظمةاللغة العربية في صياغة

القرآن الكريم و جلالة معانيه ومقاصده .

تحياتي...

زهرة النهر
21-05-2015, 10:35
السلام عليكم

بارك الله فيك حبيبتي موضوع نافع. بإذن الله

مجهود جبار أختي جعله الله في ميزان حسناتك...

حجابي عفتي
21-05-2015, 21:03
بوركت ايتها الاستاذة الفاضلة
جعله الله في ميزان حسناتك

حجابي عفتي
21-05-2015, 21:03
بوركت ايتها الاستاذة الفاضلة
جعله الله في ميزان حسناتك