المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الديمقراطية


اسماعيل
01-04-2015, 23:15
الديمقراطية



الديمقراطية هي النظام الوحيد الذي لا يملك الناس فيه حق المعارضة أو حرية المعارضة، لأن ذكاء الأنظمة الحاكمة وقوتها حوّلا المعارضة والحرية إلى وسائل تخدم هذه الأنظمة بعد أن كان الناس يثورون بقوة ضد الظلم والإستبداد، الجزائريون جربوا الوسائل الديمقراطية مع الإحتلال الفرنسي ولم تنقذهم إلا الحرب.

لأن المعارضة تقتضي أن تكون استنادًا إلى حق خارج عن إرادة النظام الذي تعارضه، وهذا الذي درج الناس عليه منذ فجر التاريخ، إذ كانوا يثورون على الظالمين رغما عنهم، أما في الديمقراطية فالنظام الحاكم هو الذي يقنن لك المجال الذي تعارض فيه، والذي لا يحل لك أن تقترب منه، أي أن خصمك هو الذي يرسم لك الخطوط الحمراء، ويحدد لك سقف المطالب حتى تبقى تحت قدميه دوما فترضى وتسلّم، والقرار والقانون بيد الأقوياء دائما، فتبقى المعارضة شكلية أي من أجل المعارضة فحسب.

ولا حرية لهم إلا في إطار المبادئ العامة للنظام الحاكم التي يربطونها بمصلحة الوطن، وكأن الوطن لا يحيى إلا في ظل تلك المبادئ، وبعدها لم يبق من الحرية إلا الشتم والعهر للتنفيس.

يمكننا أن نشبه الديمقراطية بالديكتاتورية، ولكن في أخبث صورها، يقولون للشعب: لك الحرية في التعبير، وفي صنع النظام الذي تريده بالوسائل المشروعة، فإن رأوا منه جدية ومقدرة حصروا تلك الوسائل وضيّقوها، حتى تصبح معارضته لهم غير ذات معنى، كمن يضرب الريح بعصاه.

ولا تترك الدولة المعاصرة شيئا للفراغ القانوني، فلا جزئية في الحياة إلا وتقنّنها، وتتحكم في حرية الناس وتوجهها في ظل صرامة القوانين وتطبيقها بلا هوادة، وباستعمال الوسائل التكنولوجية تمكنت من مراقبة تحركات الناس والتدخل في حياتهم الخاصة ومعرفة أسرارهم.

لقد تدخلت أجهزة المخابرات في كل شيء، وهي المستفيد الأول من التكنولوجيا المتطورة، وبعد أن كانت هي عين الدولة الساهرة لاستباق الأخطار قبل وقوعها، أصبحت هي صاحبة القرار الأول والأخير فيها، فما تقوم به هو كعمل الروائي الذي يصنع الأبطال ويرتب مواقف الأطراف والتيارات المتناقضة وفق ما يقتضيه هواه وما يصبو إليه في النهاية، وتتحقق لها نسبة النجاح بقدر ما تتضاعف قوتها وتضعف قوة تلك الأطراف وتقلّم أظافرها.

فلم يبق من الحرية إلا ذلك الثالوث الذي هو دستور الحرية عند الديمقراطيين والأدباء بالخصوص، والذي يقيسون به مقدار الحرية، وهو الدين والحاكم والمجون، هذه هي خلاصة الحرية عندهم، سب الله -جل جلاله- والإستهزاء بدينه، وشتم الحاكم والتحريض عليه وإشاعة الإختلاف، وتمجيد الخلاعة وفرضها كأمر واقع، وليس هناك حرية لباس مثلا، وإنما دفع بالناس وإكراه لهم على لباس معيّن.

في بريطانيا صاحبة الديمقراطية العريقة تم إيقاف تحقيق قضائي في قضية رشاوى ضخمة لأمير سعودي بقرار حكومي متجاوز مسألة استقلالية القضاء، هذا مثال على أن براغماتية السياسة العلمانية وفسادها لا يمكن التحكم فيه، إذ سيتسع بالضرورة إلى مجالات الحياة الأخرى؟!

وفي الغرب عموما لم يبق شيء يحرم انتقاده إلا انتقاد اليهود، ويمكنك تقديم مبلغ من المال لطرح سؤال في البرلمان، وقرارات البرلمان ليست ملزمة للرئيس فهو يتمتع بحق النقض وحق حل البرلمان إن شاء، أو التشريع الرئاسي خارج الدورة... وبعدها: ماذا بقي من حكم الشعب باستثناء التهريج؟!

ويلغون العقل ويجمدونه خضوعا لحكم الشعب والأكثرية، فتحكيم العقل يناقض الديمقراطية التي هي تحكيم للشهوات، بينما لا يتذكرون العقل إلا أثناء مواجهة دين الله لتحرير البشرية من الخضوع له.

يتصور العلمانيون أنهم وصلوا إلى مرحلة ما بعد الدين، بينما هم يدينون لمفكريهم ومشرّعيهم بالعبودية، فالإنسان خلق ليكون عبدًا، وإن استنكف عن عبادة الله عبد شيئا آخر وإن كان حجرًا، وكل ما فعلته الديمقراطية والعلمانية هو إخراج الإنسان من عبادة الله إلى عبادة العباد تحت مسمى آخر، لكنه في النهاية خضوع وعبودية لأفكار منظّريهم، وتقديس لغير المقدّس.

إن من ضروريات الحياة المتزنة السعيدة أن ينام الإنسان في الوقت المناسب وعلى جنبه الأيمن، وأن يأكل أكلا صحيا، وأن يتبع تعليمات الطبيب بدقة، وغيرها كثير من الإلتزامات والقيود والضوابط، وليس حرًا في فعل ما يشاء، فتلك الحرية فوضى ومَضرة.

إن الجواب الوحيد الذي يرد به الديمقراطيون عن سؤال: إلى أين يذهب الإنسان وغاية وجوده هو شرب المزيد من الخمر من أجل النسيان، لقد حرروا المرأة حتى سرقوا منها لقبها، وحرروا الرجل حتى وضعوا ربطة في عنقه.

وبعد أن ألّهوا الشعب من دون الله آل بهم الأمر إلى نوع آخر من الثيوقراطية التي سقطوا فيها من قبل، وهي ادعاؤهم بأن الشعب هو الحاكم فعلا، بينما القوانين توضع باسمه وتفرض عليه دون مشاركة منه في صياغتها، سواء في تفاصيلها أو في المبادئ العامة، فيحتكمون إلى الشعب لعلمهم بإمكانية استغفاله لتمرير ما يريدون باسم الشعب،يقع هذا في إفريقيا كما يقع في أوربا، فالدساتير توضع خطوطها العريضة في محافل الماسونية، وتدبّج في دهاليزها المظلمة، ثم تقدم للشعوب لتمضي عليها وهي معصوبة العينين.

ولما كان تشريع الشعب نظريا غير واقعي، فوّض من ينوب عنه، وهؤلاء لا يعبّرون بالضرورة عن إرادته، وإنما يعبرون عادة عن أنفسهم، أو الأطراف التي مولتهم، أو الأحزاب التي وصلوا بقنواتها إلى كرسي التشريع.

وللعلم فهذا الخلل وغيره واقع في أصل المبدأ الديمقراطي، لا في واقع الدول فحسب، ولذلك راحوا يرقعون في هذا النظام، ويضعون القيود والضوابط الكابحة لاستبداد الحكام، كتحديد الفترة الرئاسية والنيابية والإقتصار على عهدتين فقط، وهي قيود لا معنى لها في ظل الطغيان المتزايد، مثلها مثل رفع أجور المسؤولين لأجل الكف عن اختلاس الأموال العمومية، يوهمون الناس أن الديمقراطية تمنع الإستبداد بمجرد الإنتخاب وتحديد الفترة الإنتخابية.

وإذا نظر الناس بواقعية يرون أنه لم يتغير من حياتهم عبر العصور إلا الوسائل المادية أما الفساد والشر والظلم فربما زاد، وزيادة على فساد هذا النظام فهو نظام فاشل لم يحقق للبشرية السعادة التي تطمح إليها، ولم يتغلب على الأزمات التي تتخبط فيها، بل يزيد من تفاقمها ويتغذى منها، بل هو الذي يصنعها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

فكل هذا الصراع والإستبداد المحلي والعالمي هو من صنع الديمقراطية، وهي التي ترعاه، وكل هذا الشقاق والتمزق والتفتت والطائفية والجهوية تقف الديمقراطية وراءه، لكن الناس يظنون أنها حتمية، بل أنها الأفضل على الإطلاق، ولا يلتفتون إلى سبب المرض، ولكن يبحثون عن الدواء في إطارها، على أن ما ينجر عنها من مفاسد إنما هو شر لابد منه، وأنها ضريبة الحضارة.

فالإختلاف مطلب ديمقراطي لمجرد الإختلاف، والمعارضة هي أساس الديمقراطية، في حق وفي باطل، والتغيير مطلب ديمقراطي لمجرد التغيير، تغيير بعده تغيير، أي تغيير التغيير، وإصلاح الإصلاح، في دوامة الأزمات.


محمد سلامي
موقع البيان الإسلامي (http://www.bayanislami.com)

Arabie Islame
02-04-2015, 16:02
موضوع جيد اخي
الله يوفقك