المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أصحاب السبت


Arabie Islame
02-05-2015, 23:45
أصحاب السبت


الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.

أما بعد:
فأيام الأسبوع سبعة، ذكر الله منها في القرآن يوما: الجمعة والسبت، فالجمعة ذكرت بتعظيم صلاة الجمعة ووجوب السعي إليها وعدم البيع عند النداء لها.

أما السبت فذُكر بسبب واقعة حدثت لبني إسرائيل، وهي قصة أصحاب السبت، قال تعالى ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ﴾[البقرة: 65، 66].

فكل من اتقى الله عز وجل وعلم هذه القصة سينتفع بها ويتعظ.
وهذه القصة مهمة جدا، ويكفي لأهميتها أن ذكرها الله في كتابه.

فما هي قصة أصحاب السبت؟
هذه القصة ذكرت مفصلة في سورة الأعراف، قال تعالى:
﴿ وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴾ [الأعراف: 163 - 166].

قبل أن نبدأ في سرد قصة أصحاب السبت، سنذكر شيئا مهما ألا وهو:
أن الله أمر اليهود بتعظيم يوم الجمعة فاختاروا السبت مكانه متعللين بأن الله لم يخلق فيه شيئاً، لأنه بدأ الخلق يوم الأحد، وفرغ يوم الجمعة، وهذا من تنطعهم وضلالهم وتقديم آراءهم على شرع ربهم، وقد سار النصارى على نهجهم في المعاندة والمحادة فاختاروا بوم الأحد، لان الله بدأ الخلق فيه، فألزم الله كلا بما اختار، ووضع عليهم في ذلك الإصر والأغلال فحرم ذو العزة والجلال على اليهود العمل يوم السبت ،وحدث في يوم السبت واقعة قبيحة قام بها اليهود، فقد كانت هناك قرية من قرى بني إسرائيل مطلة على البحر، وكان أغلب عمل اهل تلك القرية صيد السمك، وحدث لهم ابتلاء عظيم، فكانت الأسماك تأتي كل أيام الأسبوع عدا السبت، تأتي بكثرة حتى إنه بالإمكان اصطيادها باليد.

وهذا عجيب: فالأصل أن الحلال كثير والحرام قليل، لكن لماذا نجد أحيانا أن أبواب الحرام أكثر؟
جواب هذا نجده في تتمة الآية أيها الحضور، قال تعالى ﴿ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾.

فيا ترى ماذا سيفعلون؟
هل سيرجعون إلى الله ويعلنون توبتهم ام ماذا سيفعلون؟
أصروا على اصطياد الأسماك، فحفروا الحفر ووضعوا الشباك يوم الجمعة، فإذا ذهب السبت أخرجوا الحيتان، وبالفعل فعل بعضهم هذا!، وأخرجوا الحيتان يوم الأحد وقام بعضهم بشوائها، فانتشرت الرائحة في أنحاء القرية وتساءل الناس: من أين لكم الحوت؟
فأجابوهم بفعلتهم وأنهم فعلوا كذا وكذا.

وهنا انقسمت القرية إلى ثلاث مجموعات:
المجموعة الأولى: تابعت ما فعله بعض الناس وأعجبوا بحيلتهم وطبقوها.
المجموعة الثانية: كرهت هذا الفعل واعتبرته تحايلا على ما حرمّ الله.
المجموعة الثالثة: غضبت لهذا الفعل وأنكرته واستمرت في النصح والإرشاد.

وحدث حوار جميل بين المجموعة الثانية والثالثة ذكره الله في كتابه، قال تعالى ﴿ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ [الأعراف: 164].

فالمجموعة الثانية قالت للمجموعة الأولى: لم تنصحون قوما لا ينتهون، اتركوهم فإن الله سيهلكهم أو يعذبهم.

وهنا وقفة: كأن هذا ما يعرف اليوم بـ( السلبية )، ويحدث يأس من الإصلاح وحدوث الخير وهذا أمر خطير، لأن الشعور باليأس يتيح الفرصة للفساد بأن ينتشر ويزداد.

فالواجب على المسلم أن لا ينظر إلى النتائج، نعم النتائج مشجعة، لكن المطلوب منه والذي سيحاسب عليه هو القيام بما وجب عليه، بل يكفيك محفِّزا للقيام بما يجب عليك دونما نظر إلى النتائج ما أخبر به نبينا – صلى الله عليه وسلم – أن من الأنبياء من يأتي يوم القيامة وليس معه أحد، روى الإمام أحمد في مسنده بسنده عن ابن عباس أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: ((عُرِضَتْ عَلَيَّ الأمَمُ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْطَ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلَ، وَالرَّجُلَيْنِ وَالنَّبِيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ.... )).

نعود إلى قصتنا، فبماذا ردت المجموعة الثالثة؟
قالت: نحن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر لأمرين:
الأول: حتى نُعذر أمام الله، بأننا قد فعلنا ما يجب علينا فعله.
الثاني: لعل أهل السوء والضلال يرجعوا ويتوبوا غلى الله.

فيا ترى ماذا حدث لتلك القرية؟
قال تعالى ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴾ [الأعراف: 165، 166].

لما رأت الطائفة الواعظة عدم الاستجابة من الطائفة المعتدية في السبت، رحلوا وهذه كانت بداية النجاة لهم وبنوا سوراً بينهم وبين أهل المعصية كما ذكر ذلك ابن عباس رضي الله عنهما.

لمّا قام أهل الخير بما عليهم من دعوة وتصح وإرشاد وتوجيه، وقوبلت دعوتهم بالرفض والإباء والإعراض، رحلوا وتركوا المكان الذي ترتكب فيه المحرمات، وذهبوا إلى مكان يستطيعون عبادة الله فيه دون وجود مثل هذه المنكرات، قال تعالى ﴿ قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر: 10].

لكن هذا الرحيل مقرون بالاستطاعة وعدم وجود فائدة من وجودهم في ذلك المكان.
قال الإمام مالك بن انس: (لا يحل لأحد أن يبقى في بلدة يسب فيها السلف).
فبالله عليك كيف يكون الحال إذا كان المنتشر هو سب الدِّين وسب الله والعياذ بالله.

لمّا غادر الصالحون مسخ الله العصاة قردة (أعزكم الله)، وقيل مسخ شبابهم قردة وشيوخهم خنازير وذلك أن الله ذكر مسخ الخنازير أيضاً والخنزير أقبح، قال تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَـئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيل ﴾ [المائدة: 60].
ومن هذه القصة تعلم أخي الحبيب أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسنختم بهذا الحديث الذي يتبين لنا منه أن النجاة في التمسك بهذا الواجب العظيم ألا وهو: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

روى البخاري في صحيحه بسنده عن النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: (( مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا )) والحديث رواه أحمد والترمذي وغيرهما.

فتأمل معي: كيف أن الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر كانوا سببا في النجاة من الهلاك والعذاب.

لكن ليعلم كل من يقوم بهذا الواجب أنه يحتاج إلى أن يكون: عالما بما يأمر به، عالما بما ينهى عنه، رفيقا بما يأمر به، رفيقا بما ينهى عنه.

اللهم احفظ بلادنا من كل سوء، اللهم تولى أمرنا، وأصلح فساد قلوبنا، وزد في حسناتنا وتجاوز عن سيئاتنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/85787/#ixzz3Z6ufC9Dj

زهرة النهر
03-05-2015, 00:16
بارك الله فيك موضوع رائع

لي عودة بإذن الله...