المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رمضان.. والمراقبة


Arabie Islame
09-06-2015, 21:25
https://fbcdn-sphotos-b-a.akamaihd.net/hphotos-ak-xap1/v/t1.0-9/10426605_1629529520597177_1561086602286430908_n.jp g?oh=bf5b523868d70946984df171ccdf358e&oe=56008294&__gda__=1442207405_eac057d82260b17a89fc587a722ad3c e

ها هو رمضان قريبا يطل علينا ،وايضا ايام ويدهب،كما هي عادة الأيام الطيبة والأوقات المباركة، فإما أن ننتبه له وننتفع به، وننتهب الأوقات وإما سنتحسر عليه أشد الحسرة ونتندم على فواته وضياعه أشد الندم، حين ينفلت وينقضي ونجد أنفسنا في آخر الركب وأن كل الركب قد سبقونا إلى الله تعالى.. فإن رمضان سوق للتجارة مع الله قام ولا يلبث أن ينفض، فربح فيه من ربح وخسر فيه من خسر، وهو مضمار سباق للطاعات سبق فيه قوم ففازوا وتخلف آخرون فخابوا كما قال الحسن رحمه الله.

وحتى تكون من الفائزين لا تصم صيام الغافلين.. بل لابد أن تتفكر في مقاصد الصيام لتحققها.. وقد اتفقت كلمة العلماء والعقلاء على أن الله لم يفرض العبادات على خلقه ليعذبهم بها أو لحاجته إليها، وإنما فرضها عليهم لمنفعتهم ومصلحتهم في دنياهم وآخرتهم.

إن للصيام مقاصد كثير ومنافع وفيرة.. ولكن من أنفعها للصائم ولكل مسلم هو إذكاء روح المراقبة في نفس الصائم، وهو الأمر الذي لو حققه المسلم عموما والصائم خصوصا لتغيرت حياته ولتغير حال الأمة برمتها.

إن أصل هذا الخلق موجود في كل صائم، وهو الذي يمنع العبد وقت صيامه حين يبلغ به الجوع والعطش مبلغه أن يمد يده ليأخذ جرعة ماء أو كسرة خبز حتى لو كان في مكان لا يطلع عليه أحد من البشر ولا يراه فيه أحد من الناس، وهو كذلك الذي يمنع الصائم من الطمع في الظفر بخلوة مع زوجته في نهار رمضان وإن بلغت به الشهوة مبلغها والغلمة مداها.. ذلك أنه يعلم أن الله مطلع عليه ويراه.. ثم يأتي الصوم ليذكي في نفس الصائم هذا الأمر ويزيده ويتعاهده لينتقل به إلى بقية مناحي الحياة.

معنى المراقبة
المراقبة هي علم العبد وتيقنه باطلاع الحق سبحانه وتعالى على ظاهره وباطنه..
والمراقب هو من يعلم أن الله عليه رقيب، ومن قلبه قريب، يسمع أقواله، ويرى أفعاله، ويعلم أحواله، وأنه مطلع عليه في كل وقت وحين، فيحمله هذا على أن يحفظ الله تعالى على مجاري الأنفاس، في كل لفظة وكل لحظة وكل خطرة.

قال ابن عمر: "لا يجد العبد صريح الإيمان حتى يعلم أن الله تعالى يراه، فلا يعمل سرا ما يفتضح به يوم القيامة".
قال الإنطاكي: "أفضل الأعمال ترك المعاصي الباطنة. فقيل: ولم؟ قال: لأن الباطنة إذا تركت كان صاحبها للمعاصي الظاهرة أترك".

وهكذا كان السلف رضوان الله عليهم، فقد روي عن محمد بن سيرين – رحمه الله – كان يقول:
ما غشيت امرأة قط، لا في يقظة ولا في نوم، غير أمّ عبد الله (زوجته)، وإني لأرى المرأة في المنام فأعلم أنها لا تحل لي فأصرف بصري .
قال بعضهم: ليت عقلي في اليقظة كعقل ابن سيرين في المنام.
وفي أمثاله قال الشاعر:
يَقَظَـاتُهُ وَمَنَـامُهُ شَـرَعٌ .. .. كُلٌّ بِكُلٍّ فَهْوَ مُشْتَبَهُ
إِنْ هَمَّ فِي حُلْمٍ بِفَاحِشَةٍ .. .. زَجَرَتْهُ عِفَّتُهُ فَيَنْتَبِهُ

والمراقبة ثمرة من ثمرات الإيمان بالأسماء الحسنى كاسم الله العليم والسميع والبصير والرقيب والحسيب والشهيد.. ومن ثمرات الإيمان بكلام الله في قرآنه {وكان الله على كل شيء رقيبا}، {إن الله كان علي كل شيء شهيدا}، {إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء}، {وهو معكم أينما كنتم}، {ألم يعلم بأن الله يرى}.. وأمثالها.
قال الشيخ حافظ حكمي:
وهو الذي يرى دبيب الذر .. في الظلمات فوق صم الصخر
وســامع للجـهر والإخفات .. بسـمــعه الواســع للأصــوات
وعلمه بما بــدى وما خفي .. أحــاط علــما بالجـلي والخفي

قال ابن السماك لصاحب له يعظه:
أما بعد.. فأوصيك بتقوى الله الذي هو نجيك في سريرتك، ورقيبك في علانيتك، فاجعل الله منك على بال في كل حال في ليلك ونهارك، وخف الله بقدر قربه منك وقدرته عليك، واعلم أنك بعينه ليس تخرج من سلطانه إلى سلطان غيره، ولا من ملكه إلى ملك غيره، فليعظم منه حذرك، وليكثر منه وجلك.. والسلام.

وكان من وصية النبي صلى الله عليه وسلم لأمته: [اتق الله حيثما كنت]، وكان من دعائه: [وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة]. وهو الذي فسر الإحسان ـ وهو على درجات الدين ـ بالمراقبة فقال: [أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك].

ثمرات المراقبة:
إنني أزعم أن العبد إذا بلغ هذه الدرجة وعاش معناها وعمل بمقتضاها فسيتغير كل شيء في حياته حتى يصبح من أتقى الناس لربه، وأخشاهم له، وأرضاهم عنده، وأقربهم منزلة لديه.

وهذه المراقبة يتغير بها حال الأمة التي تشكو قلة عمل أصحابها، وقلة ورع أتباعها، وسوء فعل شبابها، وكثرة تفلت أبنائها وبناتها.

إن العبد إذا راقب الله في عمله فسيتقنه وسيأتي به على أحسن وجه وحال، ليس فقط لأن هذا مطلب صاحب العمل ولكن لأنه أمر الله تعالى له ورسوله: [إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه].

والموظف سيؤدي مهام وظيفته وييسر أعمال الناس لعلمه أن الله يراه وسوف يسأله عن عمله وحقوق الناس.

والولاة الذين يتولون أمور الناس لن يكون في مقدورهم أن يظلموهم أو أن يستذلوهم أو أن يسيروا فيهم بغير رضى الله تعالى، ولن يكون أمامهم إلا العمل الطيب ورعاية أمور الرعية على أحسن وجه لأنهم يعلمون أنهم رعاة ومسؤولون أمام الله أولا وأخرا عن رعيتهم.

والذين يظلمون الخلق ويؤذون عباد الله سيتوقفون عن ذلك إذا راقبوا الله لعلمهم أن قدرة الله عليهم أعظم من قدرتهم على عباده.
حتى الزوج الذي كان يظلم زوجته أو يسيء إليها، والمرأة التي تسيء إلى زوجها، وكذا الابن العاق أو الإنسان القاطع للرحم، أو سيء الخلق أو المرتشي، أو المزور، أو الوالي الذي لا يتقي الله في اختيار ذوي الكفاءات وإنما يختار أصحاب المحسوبيات.. أو.. أو.

وحتى الشاب الذي كان يوما يتجرأ على الحرمات ظاهرة أو باطنة إذا استشعر علم الله به واطلاعه عليه وقدرته عليه أيضا فلن يقدر على أن يفعل المخالفة. والشاب الذي يخلو وراء الأبواب أو بعيدا عن أعين الناظرين لينتهك حرمات المسلمين أو يهتك أعراضهم لن يفعل، ولو تعرضت له حسناء لدفعها بدافع الخوف ممن لا يخفى عليه خافية.. كمثل ذلك الشاب الذي كان في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذكر الإمام ابن القيم في روضة المحبين: كان عمر ينظر إليه ويعجب به، ويفرح بصلاحه وتقواه، ويتفقده إذا غاب، فرأته امرأة شابة حسناء، فهويته وتعلقت به، وطلبت السبيل إليه، فاحتالت لها عجوز، وقالت لها: "أنا آتيك به"، ثم جاءت لهذا الشاب وقالت له: "إني إمرأة عجوز، وإن لي شاة لا أستطيع حلبها، فلو أعنتني على ذلك لكان لك أجر" -وكانوا أحرص ما يكونون على الأجر- فذهب معها، ولما دخل البيت لم ير شاة، فقالت له العجوز: "الآن آتيك بها"، فظهرت له المرأة الحسناء، فراودته عن نفسه فاستعصم عنها، وابتعد منها ولزم محراباً يذكر الله عز وجل، فتعرضت له مراراً فلم تقدر، ولما آيست منه دعت وصاحت، وقالت: "إن هذا هجم عليّ يبغيني عن نفسي"، فتوافد الناس إليه فضربوه، فتفقده عمر في اليوم التالي، فأُتي به إليه، وهو موثوق، فقال عمر: "اللهم لا تخلف ظني فيه"، فقال للفتى: "أصدقني الخبر"، فقص عليه القصة، فأرسل عمر إلى جيران الفتاة، ودعى بالعجائز من حولها، حتى عرف الغلام تلك العجوز، فرفع عمر درّته وقال: "أصدقيني الخبر"، فصدقته لأول وهلة، فقال عمر: "الحمد لله الذي جعل فينا شبيه يوسف".

وقال محمد بن إسحاق: "نزل السَّرِيُّ بن دينار في درب بمصر، وكانت فيه امرأة جميلة فتنت الناس بجمالها، فعلمت به المرأة، فقالت: لأفتنّنه؛ فلما دخلت من باب الدار تكشفت وأظهرت نفسها، فقال: مَا لَكِ؟! فقالت: هل لك في فراش وطي، وعيش رخي؟ فجعل يدفعها إلى خارج البيت ويبكي ويقول:
وكم من معاص نال لذتها الفتى .. .. فمــات وخــلاها وذاق الدواهــيا
تمـر لــذاذات لمعاص وتنقضي .. .. وتبقى تبعات المعاصي كما هي
فــيا ســوأتا والله راء وســـامع .. .. لعبــد بعــين لله يغــشى المعاصيا

إن رمضان يحدث ثورة في فكر الإنسان وفي فهم الإنسان وفي عمل الإنسان.. يحدث ثورة في الأمة التي لا تراقب ربها لتعود مرة أخرى لتعيش معنى الإيمان الحقيقي والإسلام الصحيح والارتباط القويم بربها الذي فرض عليها الصيام ليقوم مسيرة حياتها، وليرفع به ذكرها، وليعلي به قدرها.. فهل من صائم.